آخر تحديث: 3 / 8 / 2021م - 12:59 ص

القصيدة ليست شجرة ولكن!

أثير السادة *

الطيور في حضرة الشعر كثيرة، ومن الواضح أن الشعراء لا يغرفون الشعر من الخيال فقط وإنما من الطبيعة حولهم أيضا، هذا ما اعترفت به للصديق حبيب المعاتيق وأنا أشعر بالذنب لاتهامه ببناء عشة للطيور في قصائده، كلما أراد شاعر التحليق تذكر صورة الطير، وراح يتأمل هذه الكائنات السماوية، في تحليقها، تغريدها، وتراقصها في المدى، حبيب الذي أخبرني صديق بأنه كلما نظر إليه تذكر عشة الحمام يصر على أن أقدم استدراكي هذا بنحو علني هنا، دلالة على أن لعنة الطيور باتت تلاحقه وأنه كلما أوشك أن يكمل قصيدة لا يعرف لها وهجا دون المرور بعالم الطيور الذي صار يخشاه خوفا من وشاية النقاد.

حتما ليس صديقنا المعاتيق وحده من يتربص للطيور في قصائده، يصطادها فتعلمه حرية التحليق في النص، وحرية التأويل ساعة ينثر ريشها على أطراف القصيدة، مصادفات كثيرة كانت في الأسبوع الماضي جعلتني أعيد موضعة الطير في مشهد القصيدة عموما، أفتح الصحيفة فأقرأ عن أمسية لكريم معتوق بالإمارات يتغنى فيها بالقول“كأنك والحمام إليك يأوي كما تأوي لمخدعها الرياح ”، أضحك وأقلب بعدها دواوين من رفوف مكتبتي لأجد عبورا لهذه الطيور من سماء ياسر الغريب وحسن السبع ورائد الجشي، لن يمر ديوان من دون أن تمر من سطوره مفردة أو صورة، أو علامة من علامات الطيور، درس الطير في الأدب يبدو ماثلا في مختلف الأجناس الأبداعية، فضلا عن ألوان الشعر الحديث منه والقديم.

من ينسى الجواهري في غرامه لدجلة وهو يصف الحمام المنهك ما بين الماء والطين، والشاعر الشابي في حزنه وهو يقول: أنا طائر متغرد مترنم لكن بصوت كآبتي وزفيري، والنواب الكبير في قصائد تنعى الغربة والحرية، يقارن بين مصيره ومصير الطير،“ليس عدل أن طيراً ذو جناحٍ لا يطير”،“????? ???? ????? ?? ??????.. ????? ????? ??? ?????? ??? ????? ??? ?????”، وهديل الحمام الدائم في قصائد نزار، ورحلة الطير في قصائد درويش، وصلاة الطير عند الحداد، وغيرهم ممن لو سألت غوغل لشعرت بأن الشعر ما هو إلا تطيير حمام!.

لا أملك الآن أن أحمل صديقنا حبيب أوزار النهار والليل في سرقة معجم الحمام، حتى وإن كان ربيب العصافير وصديقها القديم، ليس من العدل أن نوقظ الحمام ونحن نقرأ قصائده ونترك كل المعاني والصور التي ينحتها نحتا وهو يتأمل كل الأشياء حوله، فقصيدته ليست شجرة، لكنها حتما تشبه حديقة اللغة في ثرائها وتعدد الطرق إلى جمالياتها، وديوانه الأخير ليس عشة للحمام، وإن توهمنا مشاركتها إياه الكتابة، والصياغة، والأفكار.