آخر تحديث: 21 / 9 / 2021م - 7:40 ص

قراءة في ”كتاب كربلاء بنظرة لا مذهبيّة“ *

الدكتور أحمد فتح الله *

لقد ألهم حدث عاشوراء الشيعة وغير الشيعة، بل وغير المسلمين، ولكن حتى الشيعة اختلفوا في تفسير هذا الحدث، بمعنى لا توجد رؤية شيعية جامعة، وحتى بين الإمامية الإثني عشرية أنفسهم. ”كربلاء بنظرة لا مذهبية“ هو كتاب من مجلدين باللغة العربية لميثاق العسر[1]  نُشر إلكترونيًا 2019م في مجلدين مدموجين في مجلد واحد أيضًا. في هذا الكتاب، يقدم الشيخ العسر تفسيرًا مختلفًا لحدث عاشوراء، يمكن اعتبارها ”نظرة من خارج السائد عن كربلاء“. هذا العمل هو تجميع وتحرير لمجموعة من المنشورات البحثية القصيرة على صفحته على فيسبوك «Facebook»، وموقعه الشخصي على الشبكة العنكبوتية بمسمى ”إجابات عقائدية“ [2] .

مواضيع الكتاب، وهي المنشورات سابقًا، كثيرة ومتعددة، تبدأ بـ ”فذلكة البحث الصحيح في أحداث كربلاء“، وتنتهي بـ ”زيارة الأربعين والفراغ الصناعي“، مرورًا بـ ”تأملات الشيخ المفيد في علم الإمام بمقتله“، و”عزل الواقع التاريخي عن الواقع الروائي“، و”حركة الحسين بن علي وفلسفتها“، و”خطبة «بين النواويس وكربلاء» في ميزان النقد“، و”مآسي القراءة الرسمية لمصرع الحسين “، و”تربة كربلاء وأخطاء التراث الرَّوائي الإثني عشري“، وغيرها.

في صفحة الغلاف الخلفية نقرأ التالي: ”تهدف بحوث هذا الكتاب إلى النظر لواقعة كربلاء بنظرة بشرية طبيعية خالية من النصوص والفلاتر الكلامية والمذهبية المولودة لاحقًا، وبذلك تمنح الواقعة انسجامًا وتطابقًا طبيعيًا مع الافعال والمواقف المتفق عليها لبطلها منذ لحظة انطلاقته من المدينة ومن ثم مكة وأخيرًا العراق، وهكذا لتضع نهاية علمية معقولة جدًا لعموم النصوص والقراءات المتأخرة التي تسعى جاهدة لتحويل كربلاء إلى تمثيلية مذهبية صرفة كأن بطلها قد حفظ أدوارها ونصوصها منذ صباه وربما قبل ذلك، أجل؛ هي خطوة من: خطوات على طريق التنوير.“

الفكرة الرئيسة للمؤلف هي أن فهم الشيعة لحدث عاشوراء قد خضع لتغيير جوهري على مر القرون. يمكن تمييز هذا التغيير من حيث الصعوبة على النحو التالي:

- فهم الشيعة لحدث عاشوراء قبل السيد بن طاووس «ت: 664 هـ» [3] .

- فهم الشيعة لحدث عاشوراء بعد السيد بن طاووس.

بحسب المؤلف، كان الفهم المشترك لدى الشيعة قبل السيد بن طاووس هو أن الإمام الحسين لم يكن يعلم ما إذا كان انتقاله إلى الكوفة، الذي تم بدعوة من الكوفيين، سيؤدي إلى استشهاده. عندما أدرك أن الكوفييون قد أداروا ظهورهم له، حاول أن يرجع، لكن الأمويين سدوا طريقه. تفاوض الحسين على عدم إراقة الدماء، حتى أنه وافق على الذهاب شخصيًا إلى يزيد لمبايعته، رغم أنه لم يرغب في مبايعة ابن زياد، ”وهو مثل يزيد“. لكن ابن زياد رفض تقديم أي تنازلات، إلا النزول على حكمه ثم يعمل فيه نظره. فوجد الإمام نفسه بين خيارين حتميين: إذلال الولاء «المبايعة» لابن زياد أو شرف الاستشهاد، واختار عزة النفس وقاوم بشجاعة واستشهد مظلومًا. هذا هو المفهوم ”الأرضي“ لعاشوراء، كما يراه العسر.

لكن الطرح المؤثر للسيد ابن طاووس بعنوان ”الملهوف على قتلى الطفوف“، من وجهة نظر العسر، كان بداية تغيير في الخطاب الشيعي في تحليل حدث عاشوراء. وروى السيد ابن طاووس في ”الملهوف“ روايات عن الإمام، على سبيل المثال: ”شاء الله أن يراني قتيلًا“، وهي روايات لم تكن شائعة قبله.

من هذا المنطلق، عرف الحسين منذ البداية أنه سيستشهد ويتقدم نحو مصيره. هذا هو المفهوم ”السماوي“ لعاشوراء. فوفقًا للعسر، كان التصور ”الأرضي“ لحدث عاشوراء شائعًا قبل السيد بن طاووس، لكن كتابه كان بداية انتشار المفهوم ”السماوي“ لحدث عاشوراء وتهميش ”دنيويته“.

منحازًا إلى المفهوم ”الأرضي“ لحدث عاشوراء وانتقاد المفهوم ”السماوي“، يجادل العسر بأنه إذا كان الاستشهاد هو واجب ”الحسين السماوي“، والذي تم ترتيبه مسبقًا، وأن عمل الحسين كان مجرد تنفيذ مثالي لخطة سماوية مُعَدَّة مسبقًا، فلن يكون من المنطقي اتباع ”مثال الحسين“: في ”عاشوراء السماوية“ قام الإنسان ”بمهمة سماوية“، وعاد إلى السماء، فلا نتمكن نحن أبناء الأرض من اتباع هذا النمط.

علاوة على ذلك، ومن وجهة نظر العسر، فإن التفسير ”السماوي“ لحدث عاشوراء يلغي اضطهاد الإمام الحسين، لأن الإمام الحسين يصبح ممثلاً فقط قد قرأ السيناريو بأكمله مقدمًا وأدى دوره على «خشبة» مسرح التاريخ، وبهذا، من المفترض أن ينسى جمهور هذا السيناريو أن هذا كان مجرد سيناريو مصمم مسبقًا حتى يتمكنوا من تخيله حقيقيًّا والبكاء على اضطهاده.

من وجهة نظر العسر، شكل آخر من التصور ”السماوي“ لعاشوراء هو أنه إذا علم الإمام الحسين مسبقًا أن الذهاب إلى الكوفة سيقبض عليه في كربلاء ويقرر موته في النهاية، فإن الذهاب إلى الكوفة إلى ”القتل“ سيكون ”انتحارًا“، وهذا يتعارض مع النصيحة القرآنية: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة «البقرة، 195». بمعنى، لو علم الإمام الحسين مسبقًا أن رحيله إلى الكوفة سيؤدي إلى موته، لكان انتقاله إلى الكوفة نوعًا من الانتحار.

يقتبس العسر هنا من الشيخ الطبرسي «المتوفى 548 هـ»، وهو عالم شيعي إيراني عاش قبل السيد ابن طاووس بما يقرب من مائة عام. يحاول الطبرسي في ”مجمع البيان في تفسير القرآن“ تفسير حركة الإمام الحسين بطريقة لا تكون مثالاً على رمي نفسه في الهلاك. وفقًا للطبرسي، هناك احتمالان لدوافع الإمام للانتقال إلى الكوفة:

إما أن الإمام يعتقد لأنه حفيد الرسول، فاحترامًا للنبي لن يقتل، أو يعتقد أنه حتى لو لم يذهب إلى الكوفة قتله ما زال ممكناً باغتياله، لذلك كان من الأفضل أن يذهب إلى الكوفة ليقتل علانية وبكرامة.

يقول العسر: أن النقطة المهمة في تحليل الطبرسي هي أنه لا يذكر الاحتمال بأن الإمام الحسين كان لديه مهمة سماوية للذهاب إلى الكوفة والقبض عليه وقتله في كربلاء لأن الله قصد أن يراه يقتل، ويكتفي بالتحليل ”الأرضي“ من وجهة نظر الإمام الإنسان. ولكن بعد ما يقرب من مائة عام من الشيخ الطبرسي، تخلى السيد ابن طاووس عن التحليلات ”الأرضية“ واتخذ طريق الفهم الشيعي لحدث عاشوراء إلى السماء.

على الرغم من تهميش التحليل ”الأرضي“ لحدث عاشوراء بعد السيد بن طاووس لعدة قرون وفسح المجال للتحليل ”السماوي“، كتب آية الله نعمت الله صالحي نجف آبادي «رحمه الله»، قبل خمسين عامًا، الكتاب المثير للجدل ”شهيد جاويد“ «الشهيد الخالد»، يفند فيه التخطيط السماوي أو حتى الحسيني للمظلومية والاستشهاد؛ ”الأرض هي من أحدثت عاشوراء“ [4] . تحليل أثار رد الفعل الغاضب والضخم لرجال الدين التقليديين في إيران، حيث تمت كتابة أكثر من أربعين إنكارًا ضد الكتاب. ارتفعت ردود الأفعال لدرجة أن الوجهاء المعجبين بالكتاب تعرضوا لضغوط لسحب خطبهم. آية الله مشكيني، أحد المعجبين الرسميين بالكتاب، استسلم في النهاية للضغوط وسحب خطبته، لكن آية الله منتظري، لم يتراجع عن خطبته.

ولا بد من القول، والتأكيد عليه، أنه من خلال تفسير حدث عاشوراء على أنه ”أرضي“، لا ينوي العسر تقويض مركزية حركة الإمام الحسين في الفكر الشيعي، مؤكدًا هذا بقوله: ”إنَّ الوقت قد حان لإعادة قراءة حركة الحسين بن علي [عليهما السلام] بشكلٍ واقعي وطبيعي والحقيقي؛ بعيدًا عن النَّظرات الكلامية  والمذهبية التي تنحر هذه الحركة من الوريد للوريد.“ «ج1، ص 25».

في الختام، الكتاب يطرح رؤية مختلفة لبعض الأطروحات المتعارفة في الوسط الشيعي بخصوص حركة الإمام الحسين واستشهاده في كربلاء، بعيدًا عن الخوارق المبالغ فيها والخارجة عن حدود الطبيعة ونواميسها. قد نتفق أو نختلف معه في بعض النقاط، ولكن من الجيد الإطلاع على وجهات النظر المختلفة، والكاتب هادئ وموضوعي في طرحه وقراءاته. والحدث الحسيني يتسع لكل الرؤى والقراءات والتي يمكن تبنيها «من غير إلزام» أو الرد عليها بعلمية وأدب الحوار والاختلاف، بعيدًا عن سوء الظن والدخول في النوايا والمزايدات. الحدث الحسيني هو إنساني بامتياز، فلا يمكن أن يكون طائفيًّا «يخص الشيعة الإمامية فقط» أو دينيَّا «يخص المسلمين فقط»، أو غيرها من التصنيفات الثقافية. لذا يجب أن نكون مفتوحين على كل القراءات والآراء، وليس فقط ما يدغدغ عواطفنا ويلامس وجداننا ولا يصطدم مع رؤانا ومسلماتنا.

* ”كربلاء بنظرة لا مذهبيّة“: بحوث تنويرية متنوعة تخالف السائد المتداول في تفسير واقعة كربلاء وخلفياتها ومآلاتها، تأليف ميثاق العسر، دار الجديد للطباعة والنشر، لبنان: بيروت، 2019م.

[1]  هو رجل دين ”حداثي“ «الأرجح عراقي»، خريج حوزة قم «يتقن اللغة الفارسية». كان طالبًا مقربًا من آية الله السيد كمال الحيدري، وهو مرجع تقليد عراقي معاصر يعيش في قم، افترق عنه الشيخ العسر لاحقًا بسبب الخلافات. أثارت كتابات الشيخ العسر المعارضة الكثير من الجدل، لا سيما في الفضاء الفكري والديني العراقي، وأثارت ردود فعل سلبية من بعض رجال الدين العراقيين التقليديين. ليس هناك تفاصيل أكثر عنه ولا توجد صورة له في الفضاء الإلكتروني، ولا حتى سيرة ذاتية، ويقال أنه يعيش الآن في لندن.

[2]  تقول صفحة عرض الكتاب: ”أضع بين يديك سيّدي القارئ الجزء الأوّل والثّاني من مجموعة بحوث ومقالات وإثارات تتعلّق بالحسين بن عليّ الحقيقي لا المذهبي، كنّا قد عمدنا لنشرها بمناسبة محرّم وصفر «1439-1440 هـ » وقبيلهما وبُعيدهما في صفحتنا على الفيس بوك وموقعنا الشّخصي في شبكة الانترنت، ونظرًا لطبيعة الصّعوبة الّتي ربّما يواجهها المتابع الجادّ في الوصول إليها رأينا من المناسب جمعها في كتاب كما هي من دون تحوير أو تغيير، عسى أن يكون ذلك نافعاً في تعميق شخصيّة الحسين بن عليّ الواقعيّة في نفوس الأمّة، والله من وراء القصد. العلامة المحقق الشيخ ميثاق العسر دامت توفيقاته“ http://ajabaat.com .

[3]  هو السيد رضي الدين، علي بن موسى بن جعفر بن طاووس المعروف بالسيد بن طاووس من كبار علماء الشيعة، صاحب المصنفات الكثيرة ومنها: ”الملهوف على قتلى الطفوف“، المعني في هذا المقال.

[4]  انظر مقاله المترجم من الفارسية: ”هل خطَّط الإمام الحسين لإبراز مشهد المظلوميّة والمأساة في كربلاء؟“ على الرابط التالي: https://www.warithanbia.com/?id=434
تاروت - القطيف