آخر تحديث: 19 / 1 / 2022م - 2:05 م

دقة قديمة

فاضل العماني * صحيفة الرياض

كم هي عجيبة حدّ الذهول هذه الحياة، عجيبة في كل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، ومحاولة رصد تلك التفاصيل العجيبة، مهمة صعبة، بل مستحيلة، فالكثير من الحكايات والأحداث والمواقف التي تحدث لنا لا يمكن حتى تصديقها، وتحتاج لكتابتها لسجل كبير مُشرّع الصفحات ولمداد غزير قد يُغرق الحكايات ولسرد حزين قد يخنق العبرات.

وحتى لا أضيع في سراب تلك المهمة المستحيلة، سأكتب فقط عن قضية واحدة أجدها الأكثر غرائبية وتناقضية، بل والأكثر سخرية وبكائية، ما يحدث جراء تعاقب الأجيال في هذه الحياة، وتحديداً تلك العلاقة/ المتلازمة الأزلية والمضطربة بين الأجيال المختلفة والصورة التي يحملها الأبناء تجاه آبائهم وأمهاتهم باعتبارهم «دقة قديمة»، وهنا لا فرق في نظر الأبناء إن كان أولئك الآباء والأمهات على درجة عالية من العلم والمعرفة والمكانة والتجربة والشهرة والصيت، كل ذلك لا يهم بالنسبة للأبناء، فهم في نظرهم «دقة قديمة» وغير قادرين على التكيف ومواكبة العصر الحديث.

ولنا أن نتخيل صورة بانورامية تحوي ثلاثة أجيال: جد وأب وحفيد، لنُطلق بعدها العنان للكثير من الأفكار والرؤى والقناعات التي تتنافر وتتصادم وتتصارع بين هذه الأجيال الثلاثة، هذا بالفعل ما يحدث في حياتنا، فنحن كنا يوماً أطفالاً وشباباً وكنا ننظر بتهكم وتندر على أغلب أفكار وسلوكيات آبائنا وأمهاتنا الذين حدث لهم نفس الأمر مع الأجداد، لقد أصبح أولادنا يضيقون بنا ذرعاً، ولا يتحملون أسئلتنا المضحكة أو تصرفاتنا المستهجنة - في نظرهم طبعاً - والتي يقابلونها بموجات من الضحك، بل وبالسخرية، لقد تحولت أسئلتنا وتصرفاتنا إلى حفلة ساخرة لأبنائنا يتداولون تفاصيلها فيما بينهم وتتعالى ضحكاتهم وسخريتهم.

إن ما يحدث من تطور وتقدم هائل على كافة الصعد والمستويات وبشكل سريع وكثيف، هو من صنع هذه الفجوة الحضارية والمعرفية بين الأجيال، الأمر الذي تسبب في حدوث هذه المفارقات والتناقضات، بل والمواجهات والصراعات بين الأجيال، آباؤنا كانوا «دقة قديمة» في نظرنا، وها نحن «دقة قديمة» في نظر أبنائنا، وهم سيكونون بلا شك «دقة قديمة» في نظر أحفادنا، تلك دورة الحياة الطبيعة.

الدروس والعبر التي نستخلصها من كل هذا، كثيرة وكبيرة، ولكن أهمها على الإطلاق هو هذا الدرس الثمين: أن الإنسان مهما بلغ من قيمة ومكانة، ومهما كان متطوراً وسابقاً لعصره، سيأتي اليوم الذي يكون فيه «دقة قديمة».