آخر تحديث: 9 / 12 / 2021م - 1:35 م

الحوار إسلامياً ومع الآخر

أمير بوخمسين

الكل يدّعي بأنه محاور جيد، ومنصت ممتاز، فبمجرد الاختلاف في وجهات النظر، نرى الحوار يتحول إلى ساحة معركة متبادلة بين الطرفين، فالكل يصّر على رأيه وطريقته في إدارة الحوار، ويرى بأن رأيه هو الحقيقة المطلقة، وفي نفس الوقت يدّعي بأنه على صواب ولا يترك مجالاً من أجل النقاش الإيجابي.

نرى هذه الحالة على صعيد الفرد والمجتمع وبين الدول، فعندما يصل الأمر إلى المساس بأفكار الطرف الآخر يتحول الأمر إلى ساحة معركة، وهذا أمر مؤسف وينم عن حالة من الدكتاتورية وفرض الرأي وضيق في الأفق. ولعل الأمثلة كثيرة في هذا المجال. ففي الكثير من اجتماعات مجالس النواب أو الوزراء في مختلف الدول نرى المشاجرات بالأيدي وتبادل اللكمات تجاه الآخر وكأننا في حلبة مصارعة، هذه الحالة انعكست ومع الأسف الشديد على الكثير من الدول التي ترفع شعار الديمقراطية، والتي هي في الحقيقة عطّلت الديمقراطية وتحول الأمر إلى الإعاقراطية، حيث لا تستطيع الدولة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه وتعطيل شؤون الناس، وفي الكثير من الأحيان يتم حلّ البرلمان أو مجلس الأمة حسب نظام كل دولة، والتوجه إلى انتخابات جديدة أو تشكيل جديد لهذا المجلس، وكذلك الحال بين جماعات العمل السياسي.

هذه الحالة نراها بين حركات العمل السياسي، سواء الإسلامية أو غير الإسلامية، فالكثير من الحوارات بين هذه الأطراف ينتهي بدون اتفاق، والجميع يتمسك برأيه بدون إبداء أي مبادرة من أجل قبول رأي الطرف الآخر. فبين الإسلاميين نرى هذه الحالة، وبين الجماعات الأخرى ذات التوجهات الأخرى نفس الحال، وما بين الإسلاميين والتيارات الأخرى نفس الحال، وكأنما أصبح فرض الرأي وعدم قبول الرأي الآخر إثبات وجود للأقوى بدون النظر للمصلحة العامة.

فعلى رغم زخم العمل الإسلامي السياسي الإسلامي، طوال قرابة القرن من الزمان «مع سقوط الخلافة العثمانية» إلا أن الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر لم يبلور بعد نظرية الحوار والإصلاح التي تفتح الطريق نحو تبني منهج معين تلتقي عنده غالبية الاتجاهات والحركات الإسلامية. فأخطر ما واجه الحركات الإسلامية في دعوتها هو إضطراب طرق التغيير بين «السلمية وإستخدام القوة» فأحدى الطرق تعتمد الإقناع والحوار والثانية القوة والعنف. وفي وقتنا الحاضر لا يزال بعض التيارات وبعض الجماعات يمر بالتجربة نفسها، ويعيد الممارسة نفسه، مع وجود إختلافات بينها من زاوية النظر الفكري والفقهي، ومن زاوية الأساليب العلمية.

ومن أصحاب التجربة والمعاناة وشهادتهم في خطأ وخطورة ”الأجنحة العسكرية، في التنظيمات المعارضة سواء كانت إسلامية أو غيرها. في دراسة للمفكر منير شفيق بعنوان“ حول نظرية التغيير ”طرح جملة من التصورات والآراء في شأن كيفية بلوغ حركة إسلامية أهدافها في بلد معين. ومن خلال إستعراضه لعدد من الخيارات الإستراتيجية والتكتيكية حذّر الكاتب من طريقة“ محاولة إمساك العصا من النصف فيما بين الخيارات المتضاربة، فمخاطرها كثيرة ”.

ويفسر حالات إمساك العصا من النصف بأمثلة منها:“ أن تعلن أنك حركة دعوة وإصلاح، أو تربية أو حركة ثقافية، وتتبنى خط اللاعنف، أو الطريق ”الديمقراطي“ ولا تسعى إلى انقلاب أو ثورة تتبنى تنظيماً مسلحاً أو تقوم بتدريب تنظيمات على السلاح، أو تختزن السلاح، أو تتغلغل في صفوف القوات المسلحة ”، ومنها“ أن تعلن أنك حركة دعوة وإصلاح وتربية وحركة ثقافية ولا تسعى إلى السلطة، ولكن تبدأ في سياسات معينة مما سيضعك في مواقع الصدام مباشرة. أن المشكل هنا يتمثل في وقوع تناقض بين ما تعلنه وما تمارسه. لأن هذا التناقض سينقلب عليك في حالة الصدام، لأن الإزدواجية لا تخدع الطرف الآخر وإنما سيختار منها جانب الصدام والحجة لضربك. ولكنها ستؤثر في تعبئة الجماهير التي تأخذ منك ما تعلنه لا ما تخفيه.

وينتهي منير شفيق إلى نتيجة محددة في بحثه وهي: ”استحالة انتصار حركة سياسية منظمة على السلطة الرسمية، مهما بلغ عدد أعضاء تلك الحركة مهما ما امتلكت من إمكانات مادية. فالدولة الحديثة أصبحت قوة مركزية منظمة مما يجعلها تتفوق على أي مجموعة مدنية مقابلة“.

انطلاقا من هذا الرأي ورأي الآخرين من المفكرين والمنظرين في الإتجاه الإسلامي وغير الإسلامي، ومن نتائج حالات وتجارب أخرى كثيرة ومتماثلة في كثير من الأقطار العربية، يبدو واضحا أن العنف طريقه مسدود. وتضحياته وخسائره العاجلة والآجلة أكبر اضعافاً من مكاسبه. ولعل الدروس والتجارب السابقة للحركات السياسية الإسلامية والغير إسلامية تعتبر درساً لهؤلاء، والعاقل من أتعظ بغيره، وأستوعب دروس التاريخ، بل دروس المعاصرين له، وإذا كان بعضهم يصّر على خوض تجاربه الخاصة، ويعتقد أن كل حالة، وكل وطن، وكل ظرف له خصوصياته، وأن التاريخ لا يعيد نفسه، فإن هؤلاء لا يعتبرون بتراكم الثقافة والخبرة.

لذا لا تزال تلك الجماعات من مختلف التيارات الإسلامية وغيرها تدور حول نفسها في نفس الحلقة، لا تعلم ماذا تريد؟! وأين تتجه بوصلتها؟! ولا يزال الحوار يتراوح مكانه.