آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 11:12 م

خاتم الأنبياء المربي والمعلم

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَ إِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴿الجمعة الآية 2.

تكشف الآية الكريمة الخطوط العريضة للمنهج التعليمي والتربوي في الإسلام والأسس التي يستند إليها في تشريعاته وتوجيهاته، كما أنها تنبع من قلب رؤوف يحوي بين جنباته كل علائم الرعاية الأبوية والاهتمام الكبير بتبديد دياجير الجهل والتفلت والانحطاط الأخلاقي الذي يقود الإنسان إلى هاوية السقوط، فلم يكن للنبي الأكرم ﷺ من هم وهدف كبير سوى إيصال الناس إلى الهدى والحق والاستقامة السلوكية، والطريق إلى تكوين شخصية المؤمن هو تنمية مدركاته العقلية والوصول به إلى حالة النضج الفكري والوعي، وكذلك تنمية يقظته الروحية وضميره ليتمكن من رؤية الأشياء على حقيقتها، قبل أن يقدم على أي خطوة أو فعل بالنظر إلى عواقبه والنتائج المترتبة عليه، فهذه البصيرة تشكل حصنا منيعا يحميه من الانزلاق في الخطايا والمعايب.

الدعوة المحمدية للتكامل المعرفي والأخلاقي تتوافق مع الفطرة الإنسانية وغريزة حب النفس المودعة فيه، وهذا يعني أن كل فرد يوجد فيه دافع فطري يحركه نحو اكتساب كل ما يعلي شأنه ويمنحه القوة، ويدعوه إلى تجنب كل ما يجلب له الضرر والشقاء والنقيصة، وهذا الدافع نحو التكامل يتقوم بفكر واعي وبصيرة تنظر للأمور بفطنة، وإذا ما تهذبت هذه النفس بالسلوكيات المحببة الجالبة للاستقامة والاتزان الفكري والوجداني، فإن مسير الإنسان نحو التكامل ناجحا ومفلحا يتخطى العقبات والعثرات والصعوبات الواحدة تلو الأخرى.

والمنهج الفكري الذي ينور العقل وينمي مدركاته وطرق الاستدلال المنطقي عنده هو كتاب الله عز وجل، بما يحتويه من أساليب وبراهين تدعو بشكل مستمر للتخلص من الجهل والجمود الفكري والإمعية، وتتنوع الأساليب القرآنية التي تخاطب العقل البشري بين النظر لآيات الله المبثوثة في الكون والظواهر الطبيعية، وبين أخذ العبر واستلهام الدروس من قصص الأنبياء وجهادهم ودعوتهم أقوامهم للتوحيد والفضيلة، وقصص الأمم السابقة وما وقعت فيه من انزلاقات أخلاقية نتيجة لاتياع الشهوات والأهواء المتفلتة، فتلك المغريات من المال والجاه والأمراض الأخلاقية كالغرور والأنانية والبخل وغيرها تظل فاعلة في تشويه النفس متى ما تلبست بها في كل زمان.

كما أن تلك التعاليم والتوجيهات الإلهية تعد زادا ومخزونا معرفيا يحقق للمرء النضج والرشد، والعقل الواعي إذا انفتح على كتاب الله تعالى بتدبر وتمعن فإنه يحظى ببصيرة وفكر منهجي يجنبه الوقوع في اللبس والشبهات.

والخطوة الأخرى بعد التدبر في كتاب الله تعالى هو الخطوة العملية وتطبيق تلك التعاليم على أرض الواقع، فتصطبغ الأخلاق والتوجيهات القرآنية في سلوكياتنا وتصرفاتنا وطريقة تفكيرنا المبتعدة عن الجمود والسطحية والتزمت، تفكير يقبل الحق ويخضع له ويسير مع الدليل إلى أن يوصله للقناعة والحقيقة، ويراقب المرء تصرفاته ويعرضها على كتاب الله تعالى وينظر ما يأتيه من تعاليم ليطبقها.

والجناح الآخر للدعوة المحمدية هو تهذيب النفوس وتعميق وترسيخ التعامل الحسن في النفوس وتخليصها من الآفات الأخلاقية والتربوية.

وقد لخص رسول الله ﷺ بعثته بأنها تتمة لمكارم ومعالي الأخلاق الرفيعة، فتلك الجموع التي دخلت في الدين الإسلامي وبشهادة القرآن الكريم كان العامل المؤثر فيها هو خلق رسول الله الرفيع وتعامله الكمالي مع الناس، وهذه سيرة أفضل الخلق كتاب مفتوح لمن أراد الاطلاع على جوانب منها، تنبيء عن ذلك التجسيد القرآني والأخلاقي في منطقه وتصرفاته وتعامله مع الآخرين محسنهم ومسيئهم.

ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى تطبيق المنهج النبوي الأخلاقي في تصرفاتنا وتعاملنا، فقد فهم البعض التدين بأنه مجموعة طقوس تخص الفرد ولا تتعلق أبدا بشخصيته وتعاملاته، كما أن الكثير من المشكلات الأسرية والمجتمعية نابعة من آفات أخلاقية تسربت لنفوسنا ولما نعمل على معالجتها والتخلص منها، فأبجديات العلاقة الزوجية المستقرة والناجحة تقوم على أسس احترام الآخر والتفاهم والتعاون معه، وتجنب الخلافات والخصومات من خلال الحديث بصراحة والحوار الهاديء، أفليست هذه التعاليم نجدها في كلمات رسول الله ﷺ وتطبيقها كما في قصة السيدة زينب بنت جحش وخلافها مع زوجها زيد، فقد سعى النبي الأكرم بشتى الوسائل للتقريب بينهما وإنهاء خلافهما، بينما اليوم غابت عن البعض معالم الثقافة الزوجية وطرق التعامل مع شريك الحياة بعيدا عن الغيرة المفرطة والنكدية والعنف اللفظي وغيرها.

وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية تتسيد آفة سوء الظن وتجاهل الآخر بل والسخرية منه وشتمه لمجرد الاختلاف حول فكرة أو موضوع معين، فهل إضمار الكراهية والحقد والنظرة الدونية للغير لسوء فهم أو اختلاف أو لأي سبب كان يمثل مقاربة من توصيات سيد الرسل، أم أنها تحكيم واتباع للأهواء النفسية والمشاعر السلبية؟!