آخر تحديث: 21 / 1 / 2022م - 1:42 م

دورات لاستعادة البساطة في الحياة

أثير السادة *

وأنت تغرق في ماء الفضاءات المفتوحة، تشعر بالحاجة الدائمة للتخلص من بقايا البلل الذي يصيبك بدوار الرأس، ويهبك الشعور بصعوبة التنفس، لأن الكثير من الأشياء في هذه الأماكن معدة لسرقة البساطة من حياتنا، فما وهبته هذه المواقع بيد من بساطة الاستخدام والوصول لكل شيء أخذته بيد الأخرى وهي تجعلنا نسخا معلبة من مزاجها، كلما دلفنا إليها تركنا العفوية والبساطة في الحضور لصالح صور من الأناقة المفرطة، والزيف الباذخ، وشيء من الرياء الاجتماعي الصريح.

ما بين الواقعي والافتراضي أسوار من الأوهام والخيالات التي تغذيها جثث المشاهير المعلقة على جدران التواصل الاجتماعي، الأحياء الذين يدسون الموت في صورنا البسيطة وهم يمجدون بأفعالهم كل أشكال التفاخر والشعور بالامتياز، يسرقون منا لحظة التلذذ بالقليل والبسيط من الأشياء وهم ينشرون وعودهم على حائط الترويج لهذا المنتج أو ذاك، المشاهير الذين أورثوا رغبتهم في معانقة النجوم للوجوه الصغيرة التي اندفعت بكل حواسها لهذه الفضاءات بحثا عن فلاتر تلون حياتها بألوان مستعارة.

الذين يتحدثون عن أعراض الخيبة والاكتئاب كقدر لجيل الفضاءات الجديدة هم يشيرون إلى هذه المسافة المفقودة بين الواقع والحلم، بين الحقيقة والوهم، إلى تلك اللحظات التي سيحرقها الركض وراء الصيحات دون أن نشعر بحلاوتها ونعيش تفاصيلها، إلى شقاء مراقبة الآخرين والطمع في مشاكلتهم، والنظر الدائم في متاعهم ومتعتهم.. إلى الأفعال التي فقأت عين الرضا وجعلت من الإنسان كائنا في لهث أبدي وراء المزيد من الرغبات.

في فمي ماء، وفي رأسي رغبة لاستعادة البساطة في شكل حضورنا وتعبيرنا، في مأكلنا ومشربنا، وفي التخلص من لصوص العفوية من حياتنا، نريد أن نتنفس بعمق دون أن نشعر بالحاجة للبحث عن كيف يتنفس المشاهير، أن نتذكر التراب الذي نحن منه، وكنا فيه، لنجلس حوله ثانية ونتجاوز القلق الذي يزحف تجاهنا كلما فكرنا بنظرات الآخرين لنا، ففي فضاءات التواصل نحن كمن يبعث هذا القلق على الحياة دائما لأننا نمضي باختيارنا لأن نكون في مرمى أنظارهم.

أخشى أن يأتي يوم نحتاج فيه دورات لاستعادة روح البساطة، وتعلم أبجد هوز العيش بسلام بعيد عن الجوع للصورة، والتوثيق، والعيش في فضاءات افتراضية، فثمة نور أكثر كثافة خارجها، وثمة روح أكثر طمأنينة إذا ما تخففت من يقينها بهذه الفضاءات.