آخر تحديث: 19 / 1 / 2022م - 2:05 م

يوم اعتيادي آخر 20

أثير السادة *

الشارع المجاور للمقهى لا يعرف السكون، الأجسام الحديدية في ركضها اليومي، وسباقها الصباحي المحموم، ألوان وأحجام من تلك السيارات التي يستقلها الناس في تنقلاتهم، سرب أبيض يتبعه سرب متلون بالألوان الزاهية، لعله طقس المكان، أقول لنفسي، أو لعلها الرغبة في الحياد اللوني هي ما يحرض البعض لاقتناء هذا البياض.

يوم دوام آخر بالنسبة للبعض، ويوم استعادة الأنفاس والراحة للبعض الآخر، لكن على دواسة البنزين الكل سواء، دعس ثقيل لا يشبه السرعة المحددة لهذا الطريق.. من خلف زجاج المقهى، لم أجد أحدا يفتح نافذة سيارته في انطلاقة الطريق، الشمس التي تتحضر للانتصاف في كبد السماء والرطوبة التي تأخرت في الرحيل تجعل الجميع أسارى في سجن التكييف الذي لا يمل.. غير أن برودته لا تكفي لخفض هذه الحماسة للتسابق في الطريق، حتى الشاحنات الصغيرة تدعي الرشاقة والسرعة وهي ترج المكان بصوت محركاتها.

وحدها سيارة الوانيت تمشي الهويدة في الطرف الآخر من شارع الخليج، لتحرس مجموعة من الدراجين الصغار وهم يكملون حصة التدريب الصباحية، أحلام صغيرة غير أنها تنافس لبلوغ أعلى مراتب الكبار، فيما يزاحمهم في العبور دباب صغير يستقله حارس أمن يطعم في حراسة ماتبقى له من أمل في هذه الحياة.

المقهى فارغ الآن، وبعض علامات الغيم أخذت تتسلل إلى صفحة السماء، صمت أشجار الطريق يصف سكون الريح في الخارج، وعلى زجاج المقهى ترك أبوالعلاء المعري وصيته للعابرين، إذا هبت النكباء بيني وبينكم / فأهون شيء ماتقول العواذل، وصية تشبه ألم الإسفلت من ركض السيارات فوقه، أو هكذا بدا لي..

الكتاب الذي دعوته لمرافقتي مازال ينتظر دوره في يوميات الصباح، يتململ الكتاب كما تململت من مطبات الترحمة فيه، بيتما المزاج مازال بحاجة إلى كوب من الشاي، يكفيني تعب النظر من وراء الزجاج، والانشغال بأحوال الراكضين في صباحات العطلة الأسبوعية.