آخر تحديث: 21 / 1 / 2022م - 1:23 م

الموسيقى لا تحول الثرثرة إلى حكمة!

أثير السادة *

مغرية هي منصات التواصل الافتراضية، وأكثر الأشياء إغراء فيها أن يصبح الواحد منا محطة بث فضائية دائمة الإرسال، وكل ما يستلزمه في ذلك هو إرسال ماتيسر من صور ورسوم ومقاطع فيديو من دون الحاجة إلى أن يكون هو من صنعها، فحتى إعادة البث يمكن أن تهب صاحبها شهرة، وتجلب من حوله جيوشا من المتابعين، من هواة النقر على كل رابط، والطرق على كل باب افتراضي يطفئ لهيب الفضول عندهم.

حسابات وصفحات ومجموعات تكبر مع الوقت على هذا المزاج الجديد، المزاج الذي يحيل حياة الواحد منا إلى كشكول، يكتب فيه هذا وذاك ما يشاء، لأننا اخترنا البقاء داخل الفضاءات الافتراضية، وخفنا من تداعيات النسيان في لحظات الغياب عنها، وفي غمرة البحث عن محتوى، سيؤثث أرباب الحماسة صفحاتهم بألوان من المواضيع والعناوين، وسيغرفون من كل بحر ونهر وحتى مستنقع، وهم في كل ذلك يطمعون بشيئ يجلب النظرات والنقرات، تارة يترنحون على حد الضحك، وتارة يترنحون على حد الجد، لأن الجمهور المستهدف هو كل من تسول له نفسه العبور من هناك.

وما يلفت في هذا الزحام هو رغبة الكثيرين في ممارسة دور الحكيم، والناصح، والمرشد، حتى الغر منهم، سيترك لنا صورته وبها توقيع يشبه شكسبير، أو يحملنا على تذكر لقمان الحكيم، وربما استل من محركات البحث عبارات من بطون الكتب، وظهور الفرسان، كمن يريد اقناعنا بأن الحياة قد علمته الكثير، وكل ذلك من أجل أن يهب لصورته وحضوره قيمة ترتجى.

أنا بالتأكيد لا أعترض على مغازلة المغاني الجميلة وترويجها، ولا تدوين الحكم وتداولها، أنا فقط أشفق على الكثير من المقاطع التي تدور بلا معنى ولا قيمة، والكثير من المقولات التي ترفع بلا رافعة فكرية أو جمالية، وتنامي حس الاستهلاك والتدوير غير الواعي للمقاطع الخاوية، إلى الحد الذي يجعل أحدهم يرفع صوته عاليا بالقول: ليس كل كلام معه موسيقى أصبح حكمة!.

نعم، هنالك من يتوسل تصميم المقاطع ودمجها مع الموسيقى لتظهر في قالب فاخر بينما المحتوى لا يعرف إلا الرخص، والإضاءات الكثيفة والتصوير المتقن لا تجعل من الثرثرة شعرا، ولا من النعيق غناء، ولا تكفي لستر عورة أفكار البعض ولا خوائه، وفي المقابل، تبقى الخيبة نصيبنا لتضاؤل مساحة المحتوى الرفيع، أدبا وعلما وثقافة، في منصات التواصل، ورواج الرخيص، رغم اليقين بوجود طاقات وأفكار وأسماء خارج حدود هذا الفضاء الافتراضي تملك أن تصنع الكثير لو وجدت مبادرات لاستدماجها واستثمارها ومن ثم تسويقها لتعيد التوازن قليلا في زحام الريتويت.