آخر تحديث: 21 / 1 / 2022م - 1:42 م

لماذا لا تنجح الأمهات في الرضاعة الطبيعية الحصرية، خلال الستة الأشهر الأولى من العمر؟

يسعى الوالدان دائما وأبدًا إلى تقديم الأفضل لأولادهم من طعام وشراب ومسكن وملبس، لأنهم فلذات أكبادهم، فيسعيان جاهدين إلى أن يعيش أبناؤهم حياة أفضل مما عاشا، ويكون لهم مستقبل أفضل من مستقبلهما.

فعندما تكون الأم حاملا وقبل أن يتحرك الجنين في بطنها تبدأ ووالده في التخطيط لكل ما سيقدمانه له، فيبدآن بالبحث عن أفضل الأشياء، وفي ذلك الوقت يبدأ التفكير في كيفية تغذيته بعد الولادة.

منذ عقود مضت، ومع ثورة التطور الحديث قامت شركات الحليب باستغلال هذه الغريزة عند الوالدين لإقناعهم أن الأفضل لأطفالهم هو الحليب الصناعي وكثيرا ما كنا نرى - أنا ومن هم بعمري - في التلفاز دعايات لمختلف انواع حليب الأطفال، وكنا حينها أطفالا وكبرنا وكبرت معنا معتقدات خاطئة أن الحليب الصناعي جزء من التطور والرقي الذي يجب ان يستمتع به أولادنا.

وعندما أصبحنا أطباء وأصبحت دعايات الحليب الصناعي ممنوعة في التلفاز، كان مندوبو شركات الحليب يلاحقوننا في كل يوم، لتعريفنا كما يدعون بمنتجات شركاتهم، ويكذبون علينا ليقنعونا أن حليب الأم قاصر في الحديد والفيتامينات، وأنه قد يسبب فقر الدم والكساح والهزال للأطفال، وأن الحل لذلك هو إعطاء الحليب الصناعي، فهو يجعل الطفل ينمو نموا صحيحا، ويكون ممتلىء الجسم جميلا يسر نظر كل من يراه، وكانوا يعطون المستشفيات تبرعات مجانية من الحليب الجاهز للاستعمال كما يعطون الطاقم الطبي الهدايا التي تحمل شعارات شركاتهم كالأقلام والأوراق التي كنا نستخدمها لكتابة وصفات أو حتى كمسودة للشرح للأمهات عن حالة أولادهم، فكنا نسوق للحليب الصناعي دون أن نعلم.

تقول إحدى زميلاتي، تزوجت وأنا في الثامنة عشر من عمري وكنت أكبر أخواني وكانت أمي قد أرضعتنا جميعا رضاعة طبيعية، وعندما ولدت أعطوا ابنتي حليبا صناعيا في المستشفى، فظننت أنه أفضل حليب لابنتي، فلم أرجع إلى المنزل إلا وأنا أحمل علبة حليب صناعي من نفس الشركة، اعتقادا مني أنها الأفضل لابنتي، وعندما ولدت بابني الثاني وجدت حليبا من شركة أخرى، فاعتقدت أن المستشفى قد بدل الشركة القديمة بشركة أخرى، لأن الشركة الجديدة أفضل، فاشتريت لابني حليبا من الشركة الجديدة، ولم يحدثني أحد عن فوائد الرضاعة الطبيعية وأضرار الرضاعة الصناعية، فمع أنني كنت أمتلك الحليب في ثديي، إلا أنني جففته لأتفرغ لدراستي، وإنني لنادمة كل الندم عما فعلت، ولكن يشهد الله أنني كنت أبحث عن الأفضل لأولادي.

تختصر قصة زميلتي هذه الأسباب الأكثر شيوعا التي تجعل الأمهات والآباء تحيد عن الرضاعة الطبيعية الحصرية خلال الستة الأشهر الأولى من حياة أولادهم، فالدعاية والإعلان غير الشرعيين اللذان تقوم بهما شركات الحليب هو السبب الرئيسي لذلك، فأنا كأم أريد أن أقدم الأفضل لولدي وأجهل الفرق بين الرضاعة الطبيعية والحليب الصناعي، وما قد يسببه الحليب الصناعي من الضرر على مولودي - من أمراض الالتهابات والحساسية والأمراض المزمنة كالسكري والضغط وأمراض الشرايين والسرطانات، وما قد يسببه لابني في المستقبل من صعوبات في التعلم وفرط حركة وغير ذلك من الأضرار التي تخفيها شركات الحليب عن المجتمع - لن أتوانى عن إعطاء ابني الحليب الذي يجعله ينعم بما ينعم به أولاد الأغنياء ممن هم حولي، ولو قطعت من لحمي فأنا لا أريده أن يكون أقل من غيره.

ومما يجعل الجدات بشكل خاص يشجعن بناتهن على إعطاء الحليب الصناعي لمواليدهن خوفهن على بناتهن وحبهن بتقديم كل ما يستطعن لبناتهن اللاتي مازلن يرونهن صغيرات في أعينهن، فالحياة مزدحمة عليهن بالكثير من المهام كالدراسة والعمل وواجبات المنزل والزوج، فلماذا تزداد إلى هذه المهمات مهمة جديدة قد تكون متعبة ومرهقة لهن، وهي الرضاعة الطبيعية، فان أرضعت ابنتي ابنها حليبا صناعيا أمكنني أنا الجدة مساعدتها والتخفيف عنها، وتنسى الجدة هنا أنها تخفف عن الأم تعب الستة الأشهر الأولى من العمر، لترهقها بما سينتج من استخدام الحليب الصناعي العمر كله.

وتعتقد بعض الأمهات أن الرضاعة الطبيعية قد تجعلها أقل جمالا وجاذبية لأن الرضاعة الطبيعية قد تفسد شكل الثدي - وهذا ما دأبت شركات الحليب على نشره في المجتمع - وهو اعتقاد خاطيء إذ أن السبب في تغير ثدي الأم هي هرمونات الحمل التي تجعله يكبر ويتمدد - لتهيئته لما خلقه الله له وهو إرضاع المولود - والتي تنعدم من الجسم تماما بعد الولادة فإن أرضعت الأم الطفل بشكل صحيح مستندة على ظهرها ورافعة طفلها باتجاهها بدل أن تحني ظهرها عليه ساعدت الرضاعة الطبيعية على المحافظة على الثدي بشكل جميل وجذاب، كما تساعد الرضاعة الطبيعية على عودة جسم الأم الى ماكان عليه قبل الحمل، وعلى فقدان الوزن الزائد أثناء الحمل.

وكثيرا ما تقرر الأمهات أن ترضع ابنها رضاعة طبيعية حصرية أثناء الحمل، إلا أن القليل منهن يلتزمن بهذا القرار لما قد يواجهنه من مشكلات أثناء الرضاعة، بسبب غياب الدعم الصحيح في المستشفى أو المجتمع لهن خاصة عندما يواجهن مشكلات يرونها كبيرة ومؤلمة، ولا يجدن من يقف بجانبهن لحلها وهنا يأتي دور الطاقم الطبي والمجموعات الداعمة في المجتمع والتي يجب أن تحيط بالأم وتساعدها على حل المشكلات التي تواجهها، والالتزام بالقرار الصحيح التي اتخذته وهو قرار الرضاعة الطبيعية.

أضف الى ذلك غياب العلم بأسرار الرضاعة الطبيعية، نحو أن الله سبحانه وتعالى جعل حليب الأم بكميات قليلة في الأيام الأولى من العمر ليتعلم الطفل التنسيق بين التنفس والبلع دون جهد يذكر، ولأن معدة الطفل صغيرة بحجم الكرزة وغير قابلة للتمدد في هذه الأيام، ولأن حليب الأم سهل الهضم، يشعر الطفل بالجوع بسرعة فتعتقد بعض الامهات أن حليبها غير كافٍ، فتلجأ إلى إعطاء الحليب الصناعي مرة واحدة في اليوم، ولعل أفضل وقت لذلك هو في الليل لينعم الطفل وأمه بنوم هانىء، وتجهل الأم ان هذه الرضعة سوف تجعل حليبها يبقى في ثديها، وهذا ما سيجعل هرمون إدرار الحليب الذي يفرز بكميات كبيرة في الليل يقل يوما بعد يوم، حتى يجف ثديها وتعتمد على الحليب الصناعي تماما.

وفي وقت طفرات النمو التى تحدث في الأسبوع الثالث والأسبوع السادس والشهر الثالث والشهر السادس من العمر - عندما يكتسب الطفل تطورا عصبيا جديدا - يحتاج الطفل إلى كميات أكبر من حليب الأم، مما يجعله يرضع بشكل أكبر وبتكرار أكثر فتعتقد بعض الأمهات أن حليبهن غير كاف، فيعطين الطفل الحليب الصناعي، وهذا يقلل حليبهن تدريجيا، بينما لو استمرت الأم بإرضاع الطفل من ثديها فان هذا البكاء سيتوقف بعد ثلاثة أيام على الأكثر عندما يكون ثديها قد تأقلم على إنتاج كمية أكبر من الحليب للطفل.

ومع التقدم والتطور خرجت المرأة للدراسة والعمل، ولكن لا يوجد ما يدعم الرضاعة الطبيعية في الكثير من مؤسسات الدراسة والعمل، كما تنظر بعض مدعيات التطور بدونية للأم التي تعتصر حليبها في هذه المؤسسات، مما يجعل أمر اعتصار حليب الأم لإعطائه لمولودها أثناء غيابها عنه أمرًا صعبا، ويمكن حل هذه المشكلة بتخزين ما تستطيع الأم من حليبها أثناء إجازة الأمومة، والتفاهم مع المسؤولين في هذه المؤسسات في مسألة ساعة الرضاعة، والتنسيق مع الزملاء والزميلات في ذلك، وثقة الأم بنفسها وأنها على صواب عندما اختارت أن تعطي ابنها الحليب الذي خلقه الخالق المبدع خصيصا له.

إن حماية الرضاعة الطبيعية هي مسئولة مشتركة، تشترك فيها الأسرة والمجتمع والطاقم الطبي والمؤسسات الحكومية والخاصة والحكومات، لنصل بمجتمعاتنا لما هو أفضل لها فالاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الطفل الذي هو المستقبل.

استشارية طب حديثي الولادة والخدج، واستشارية الرضاعة الطبيعية بمستشفى القطيف المركزي