آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 5:54 م

ابني كأن لم أعرفه!!

يبذل الوالدان الجهد الكبير في تنمية شخصية أبنائهم وتدعيمها بالتوجيهات النظرية والعلمية كذلك، من خلال تقديم القدوة الحسنة في الحوارات والتصرفات مع الآخرين القائمة على الحكمة وحسن التعامل، بل وتبدأ تربية الأبناء قبل الارتباط بين الزوجين من خلال تأسيس علاقة زوجية ناجحة باختيار شريك الحياة المناسب، وذلك أن الانسجام والتفاهم وتكوين المشاعر المتبادلة يقوم على أساس التوافق النفسي والفكري والاجتماعي، فصعوبات الحياة والمشاكل الناجمة عن سوء الفهم أو حالات الانفعال الشديد لا يمكن تبريدها وتجاوزها إلا من خلال امتلاك الزوجين لآلية الحوار وتبادل وجهات النظر وتجنب الكيدية والتزمت.

كما أن تربية الأبناء تخضع لقواعد وتعليمات كثيرة ينبغي على الأبوين التحلي بها وتطبيقها أثناء تعاملهما مع أبنائهم، بحيث يقدمان القدوة الحسنة التي يحاكيها الأبناء مما يرسخها كسلوكيات محببة ومقبولة اجتماعيا، فتربية الأبناء لا تخضع للأهواء والمزاجية بل تحتاج إلى جهد كبير يبذله الوالدان من خلال المعارف والأساليب التي يتعلمانها ويطبقانها عمليا في تصرفاتهما مع أبنائهم، وكلما حرص الوالدان على الاقتراب من عالم أولادهما وأغدقا عليهم من العاطفة ووجهوهم من خلال الحوار الهاديء والمناقشة البناءة، كان ذلك أدعى إلى ترسيخ المعالم التربوية في شخصياتهم.

ولكن هذه الجهود الكبيرة من الوالدين قد لا تؤتي أكلها بل تأتي بنتائج غير متوقعة وباتجاه لم يتوقع حدوثه، فتلك التربية التي زينت سلوكيات الابن وأساليب حديثه المتسمة باحترام الآخر، قد تبدلت باتجاه معاكس حينما خرج الابن من محيطه الأسري إلى محيطه الاجتماعي، فاكتسب منه سلوكيات غير مقبولة وطريقة تعامل خشنة حتى مع والديه وبقية أفراد أسرته، وهذا المنعطف الخطير يشكو منه الآباء والأمهات اللذين يحارون من سبب هذا التغير المفاجيء، إذ أنهما بنيا مستقبل ابنهما بناء على صفاته في طفولته التي تميزت بالطيبة والتفوق الدراسي والتعامل الحسن مع الآخرين، وأما اليوم وها هو قد بلغ مرحلة المراهقة فإن موجة من التغيرات الأخلاقية والاجتماعية قد هبت بنحو مغاير لما تربى عليه من والديه، فما السر الذي يشغل بال الوالدين معرفته لهذا التغير المفاجيء وغير المقبول؟

من المهم معرفته أن تربية الأبناء عملية مستمرة لتقويم سلوكه وتصرفاته وطريقة تفكيره وأسلوب حديثه وحواره مع أفراد أسرته وأصدقائه، إذ أن أحد العوامل المؤثرة في تغير سلوك الأبناء هو غفلة الوالدين في أوقات ما عن الحديث والجلوس مع أبنائهم وحينها تحدث تلك التغيرات، وخصوصا أننا اليوم نقر بالتأثير الكبير لوسائل التواصل التي يتعامل معها الأبناء بعيدا عن أعين ومتابعة الوالدين، كما أن أصدقاء السوء يعملون كخفافيش الليل في تغيير سلوك الابن وانحرافه وتفسخه أخلاقيا.

وهذا ما يجعل من مهمة الوالدين تربويا إعداد الأبناء اجتماعيا وتوجيههم نحو تكوين محيطهم وفق أسس معينة، وذلك أن اختيار الأصدقاء الذين ينسجم معهم ويتبادل معهم الأفكار والتطلعات والسلوكيات سيكون لهم دفة التوجيه والتكوين لمجمل تصرفاته، والجهة الأخرى التي ينبغي الالتفات لها هو تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على تكوين شخصية الشاب في فترة المراهقة، فإذا كانت محتويات المواد المعروضة تخالف في توجهاتها تربية الأبناء فسيكون لها القوة المؤثرة والمغايرة لما يأمله الأبوان، ومجابهة العوامل الإعلامية والاجتماعية المؤثرة على الأبناء يكون بمد جسور المحبة والتواصل معهم والثقة والاحترام المتبادل والحوار الهاديء حول أي مسألة خلافية أو مشكلة معينة، فالأجواء البيتية الجذابة التي يأنس لها الشاب والفتاة والتي يجد فيها نفسه عنصرا محبوبا بينهم هو ما يحافظ عليه من أي تغيرات غير مرغوبة، فالمشاعر العاطفية والأحاديث المناسبة لعمره وتفكيره تحيطه بالسعادة والسرور ويحتضنهم بالحب بعيدا عن عوامل الانحراف، فالنباهة والمتابعة من قبل الوالدين لسلوكيات أبنائهم ورفد شخصيته بكل ما يذكي فيه التفوق والتجمل الأخلاقي والقوة في شخصيته، ستكون تلك الرابطة تتصف بالقوة التي تواجه طغيان أمواج التغريب والتفسخ والانحراف.

‫‬